قبل أن يأذن لها التحضر بالأفول. بما أن الواقعية كانت هي المذهب السائد آنذاك، كان الرسامون المستشرقون يؤرخون لها برسومات متطابقة، لما يشاهدونه من أحداث وما يصادفونه من مواضيع وكانوا يكتفون برسم هذه الأحداث والمواضيع بالقلم الأسود، حتى إذا ما رجعوا إلى بلدانهم، أنجزوا أعمالا عظيمة ذات مرجعية استشراقية واقعية.

     من بين هؤلاء الرسامين «أوجين دولاكروا» (E. Delacroix)  و»ماتيس و بول كلي»، تؤكد بعض الكتابات المتفرقة «دفاتر دولاكروا» أن أول زيارة قام بها دولاكروا إلى المغرب وبالضبط طنجة في 24 يناير 1832 إلى غاية 5 مارس من نفس السنة، حيث غادرها صحبة السفير الفرنسي الرسمي إلى مكناس، في 15 مارس 1833 فرسم الكثير من المواضيع بقلم الرصاص، ليعود إلى فرنسا حيث أنجز الكثير من الأعمال ومن بينها لوحة خالدة تجسم خروج السلطان مولاي عبد الرحمن صحبة مظلته وهو يمتطي صهوة جواده، هذه اللوحة هي الآن بمتحف تولوز بفرنسا. من بين أعماله كذلك الفروسية وتداريب جيش السلطان وغيرها كثير. وكان «كناش دولاكروا» عن المغرب، بمثابة مجلة إعلامية في ذلك الوقت. إلا أن هذا النوع من الدفاتر كان مقصورا على الطبقة الأرستوقراطية. لم تأت صحف التاريخ ببيانات واضحة حول فن الرسم بالمغرب، إلا في بداية القرن العشرين، عندما حل «ماتيس» بطنجة سنة 1912 وبالضبط في 8 أكتوبر. كان «ماتيس» يعتبر من أبرز الفنانين الطلائعيين في أوروبا، ومن أعماله المنجزة عن المغرب «النخلة» سنة 1912 و»الريفي الواقف» في نفس السنة ثم (Odalisque debout au brasero) ثم «فوق السطح». وقد جاءت بالأخبار صحف فرنسية وإنجليزية، لكن مدها كان ينقطع عند حدود طنجة، وهناك من المهتمين الذين مازالوا يحتفظون بوثائق تؤرخ للحقبة نفسها، إلا أننا بالداخل لم نتوصل إلا على القليل منها وهي عبارة عن كتيب صغير بعنوان «خطوط وألوان مغربية» ثم كتابات متفرقة قليلة. أما «بول كلي» فكان مقامه قصيرا بطنجة ولم يترك  أثرا. كانت هذه الكتيبات عبارة عن أخبار وأنباء تنشر ببعض الجرائد بطنجة ثم تقدم كمجلات مصورة إلى الطبقة الميسورة المتفتحة.

                ثم جاء أناس في عهد الاستعمار، فنانون على طريقة الاستشراق اقتفوا أثر من جاء قبلهم. من بين هؤلاء «أندري سورادا» المتوفى سنة 1930 ثم «بول لوروا» المتوفى سنة 1948 وكان أشهرهم هو «جاك ماجوريل» المتوفى سنة 1962. وقد تحدثت صحف الاستعمار عن هؤلاء الرسامين بإسهاب كبير، الصحف الاستعمارية:

La presse Marocaine – Les Anales – Le Cris de Casablanca – Le Progrès Marocain. 

كل هذه الصحف الموجودة بالمكتبة الوطنية بالرباط وفتهم حقهم مصنفة ميولاتهم تارة بالواقعية وأخرى بالانطباعية بغض النظر عن الرسامين الفطريين الذين لم يتركوا أثرا بين أساتذتهم، وبالتالي أسيادهم، حيث كانوا يشتغلون عندهم إما كطباخين أو بستانيين أو عمال أو شغالين ببيوتاتهم، فلا نجد في الصحافة بالمغرب آنذاك إشارات واضحة إلا فيما ندر، إذا استثنينا الصحف التي كانت تصدرها مجموعة (Mas) بالفرنسية وجريدة «السعادة» بالعربية.

                بداية الستينيات طلعت علينا بعض الصحف الوطنية بأخبار مقتضبة، عن بعض الفنانين التشكيليين المغاربة، خصصت في يومية «العلم» ثم «المحرر» تعرِّف بالفنانين: أحمد الشرقاوي والجيلالي الغرباوي وفريد بلكاهية وحسن الكلاوي، محمد السرغيني، المكي مغارة وسعد بن شفاج. سرعان ما بدأ الاهتمام بالتشكيل المغربي بداية السبعينيات لفتح المجال أمام بعض المهتمين القلائل بهذا المجال. طلعت علينا بعض المجلات، مثل «أنفاس» التي خصصت حيزا مهما في صفحاتها للمعارض الفنية ولقاءات مع فنانين تشكيليين، دون التعمق في مفهوم هذا الضرب من الفنون. لم تكن الإذاعة الوطنية غائبة عن هذه الحركة الفنية، فأنجزت برامج ولقاءات وتظاهرات مسجلة، في محاولة منها للتعريف بهذا الفن، واستمر العمل بهذا الأسلوب إلى يومنا هذا، لكن تبقى الصحف والمجلات الوطنية هي أهم الوسائل الإعلامية نشاطا، بل أصبحت يوميات «العلم» والرأي»، تنظمان كل سنة مباراة لاختيار أحسن الأعمال التشكيلية، لكن يبقى هذا الاختيار مرهونا بأشخاص تنقصهم الخبرة والإلمام التام بالعمل الإبداعي التشكيلي.

                إذا حاولنا جرد ما نشرته الصحف والمجلات، فإننا لا محالة سنقف على عناوين ذات أهمية، تحمل مجهودا واضحا ولو أنها أحيانا تأتي ناقصة في نظري، لكون كاتبيها إما أساتذة في الآداب، وإما مهتمين فقط، مع غياب اختصاص في تاريخ الفنون كما هو الشأن بفرنسا مثلا. من بين الكتاب المتميزين الذين ساهموا بكتاباتهم في هذا المجال، نذكر على سبيل المثال: الدكتور عبد الكبير الخطيبي، خليل المرابط (رسام في نفس الوقت)، موليم العروسي، طوني مارايني (ناقدة تشكيلية) ومحمد الوكيرا (شاعر)، رغم أن هذا الأخير أكد في مداخلة له عند تقديم كتاب حول الرسام بوشتى الحياني بدار الفنون بالرباط، أنه لا يستطيع أن يجزم بكونه ناقدا تشكيليا وكل ما يكتب هو آراء وارتسامات، بعيدة عن النقد وهو ما يمكن لنا أن نأخذه بعين الاعتبار، لكل ما يكتب عن التشكيل بالمغرب، لنميز بين المقال وبين النقد.

                لما رأت التلفزة المغربية بداية السبعينيات اهتمام الصحافة بالتشكيل، أنجز صاحب المقال «محمد الغرملي» بالتلفزة القناة الأولى، برنامجا ثقافيا وفنيا، خصص للرسم حيزا صغيرا يتحدث فيه عن نهضة الفنون بالمغرب، من ضمنها: الفنون التشكيلية، فبرنامج «الملف الفني» سنة 1974 الذي كان برنامجا على شكل روبورتاج وأخبار عن الحركة الفنية بالرباط والدار البيضاء فقط، يدرج من بين فقراته مواضيع تهم التشكيل، خصوصا المعارض، ولقاءات موجزة مع بعض الرسامين لا تستغرق مدتها خمس إلى سبع دقائق. كان البرنامج يصور على الشريط السينمائي بالأبيض والأسود إيجابي من فئة 16 ملم. بما أن التلفزة المغربية كانت تبث برامجها بالأبيض والأسود، فكانت كل مواضيع التشكيل كذلك ولما بدأت بثها بالألوان، اقتصر إنتاجها على الأستوديو أو الوحدة المتنقلة الوحيدة آنذاك، التي خصصت لنقل الخطاب الملكي والأعياد الوطنية والدينية، لم يكن حظ التشكيل موفورا ليبث بالألوان، إلى أن تم تدريجيا تعميم الإرسال بالألوان، باستثناء الإنتاجات الخارجية التي كان معظمها ينتج بالأبيض والأسود على رافد الشريط السينمائي الإيجابي من فئة 16 ملم، لكن الأنشطة الملكية كانت وحدها تصور خارجيا بالشريط الإيجابي الملون من فئة 16 ملم.

                حاول صاحب المقال محمد الغرملي تجربة التصوير بالألوان فحصل على شريط صغير بعد جهد جهيد حتى يجرب كيف يكون التشكيل ملونا على الشاشة. كان أول رسام مغربي تبثه التلفزة بالألوان هو المرحوم محمد الحمري أثناء إقامة معرضه بالمكتبة الأمريكية بالرباط، أما باقي فقرات البرنامج الذي دعي إليه الرسام الحمري «الملف الفني» فبثت كلها بالأبيض والأسود، ومن بين المدعوين لهذا البرنامج (الملف الفني): محمد شبعة، عبد الرحمن رحول، حسين ميلودي، التهامي الناضر، ألبير بيلو، كمال بوطالب وغيرهم. لم يستمر البرنامج مدة طويلة نظرا لقلة الإمكانيات التقنية وعدم التحفيز من طرف الإنتاج على الاهتمام بمثل هذه المواضيع، وكان تعويض الحلقة لا يتعدى 200 درهم ناقص 13% ضرائب. في نفس السنة وبعد توقف برنامج «الملف الفني» قام المخرج «محمد التازي» وكان آنذاك مسؤولا عن الإنتاج، بإنجاز برنامج حول فن الرسم الكلاسيكي، لكن عمله كان يقتصر على أخذ صور من الكتب للوحات رسامين واقعيين مشهورين أوروبيين، يصورها بواسطة كاميرا سينمائية من فئة 16 ملم بالأبيض والأسود، حيث تثبت الكاميرا عموديا ثم توضع صفحات الكتب لتصوير ما يراد تصويره وكان يقوم بتلك العملية مصور فقط، في غياب أي إخراج أو تنسيق، وعندما ينتهي التصوير يدفع الشريط الإيجابي من فئة 16 ملم إلى معمل التحميض بالطابق السفلي بمصلحة الروبورتاج، وعندما يتم التحميض يدفع الشريط إلى مركب Monteur، الذي كان يقوم بغربلة الصور وإلصاق صالحها ببعضها، بعد انتهاء عملية المونطاج يدفع محمد التازي نصوص الكتاب الذي أخذ منه الصور، يمدها إلى صحافي لترجمتها ثم يسجلها على شريط صوتي مغناطيسي من فئة 16 ملم، ومزج التعليق بموسيقى كلاسيكية، غالبا ما كانت الترجمة ركيكة وضعيفة بسبب عدم دراية المترجم بالمجال الإبداعي. وقد تم إنجاز ما يزيد عن خمس حلقات مدة كل واحدة منها تتراوح بين 40 و50 دقيقة، كان المخرج محمد التازي آنذاك يتقاضى عنها 600 درهم، أي ما يعادل راتبي ونصف شهريا.

                بدأ اهتمام الصحافة الوطنية المكتوبة ينصب أكثر وسط الفضاء التشكيلي، عندما لاحظت اقتحام التلفزيون أروقة ومعامل الفنانين، حيث بدأت تتناول اهتماماتهم الإبداعية ومواكبتها عبر الندوات واللقاءات والمعارض الجماعية، وكذا فعلت الجرائد نذكر من بينها أسبوعية أنوال، والاتحاد الاشتراكي والعلم ومجلة الأساس، حيث وسعت في مواضيعها لمثل هذه التظاهرات، فنظمت حوارات ومناقشات كلها تصب في اتجاه النهضة الفنية التشكيلية بالمغرب، بل قامت بعض الجمعيات بدعم من وزارة الثقافة وبعض الصحف الوطنية لتنظيم تظاهرات تشكيلية بالمدن المغربية وأوروبا، من بينها التظاهرة الوحيدة في كرونوبل بداية الثمانينات، خصصت لها الصحف والمجلات حيزا واسعا على صفحاتها وقامت التلفزة المغربية بإنجاز روبورتاج من 45 دقيقة على نفقة وزارة الثقافة آنذاك، وتضمن الروبورتاج أنشطة الرسامين الذي أبدعوا لوحات جداريات، نذكر على الخصوص جدارية المرحوم محمد القاسمي ثم بعده فريد بلكاهية ومحمد الميلحي ومحمد شبعة، وقد ساهم في هذه التظاهرة عدد من التشكيليين المغاربة كالشعيبية طلال والحسين طلال وكريم بناني ومحمد السلاوي إلى جانب ما سلف ذكره من الفنانين اختلطوا برسامين غربيين لتكون التجربة فريدة من نوعها.

                واكبت الصحافة المكتوبة التظاهرة بدورها ليعم خبر المهرجان الإبداعي أروقة وصالونات المغرب، كما تناولت إذاعات وتلفزات فرنسا الموضوع بشيء من الاهتمام العابر. كان للجيل الأول من المبدعين التشكيليين الحظ الأوفر على حساب الشباب المبدعين، بل تسببوا في تأخر ظهورهم إلى حين، ومازال الاهتمام بجيل باريس وتطوان يربو وينمو حتى ليظن المرء أن المغرب ليس به غير هؤلاء، بينما الحال عكس ما يفسره البعض، ورغم ذلك فقد أنصف الإعلام المكتوب والسمعي البصري الرسامين العصاميين والفطريين، ولو أن هذا الإنصاف جاء متأخرا، حيث لم تنتبه له الصحافة إلا بعد ترويجه من طرف المعاهد الثقافية الأجنبية والتي دأبت بعد ذلك على تنظيم معارض بأنحاء المغرب، مدعمة بمطويات وكتب صغيرة وإعلانات في بعض الصحف، بل ذهب بعض الفرنسيين والإسبان إلى نشر مقالات مطولة عن بعض العصاميين والفطريين، ولولا اهتمام هذه المراكز الثقافية الأجنبية لما استمر الفن الفطري بالظهور بشكل مكثف كما هو الشأن عليه الآن.

وقد تحدثت الصحف كذلك عن صنف معين من الرسامين الذين لم يلجوا مدارس فنية، ولكنهم برزوا وكسبوا شهرة واسعة، ولا ننسى الدور الذي لعبته السيدة برودسكي في إبراز مواهب عديدة تناولتها الصحافة والإذاعة والتلفزة كثيرا في برامجها وأخبارها، وعلى سبيل المثال محمد القاسمي وميلود الأبيض وعبد القادر بن كمون، كمال بوطالب، بوشعيب هبولي، حفيظة الشرقي، كما روجت لكل من الفنانين الفطريين محمد الودغيري محمد الكزولي فاطمة حسن وحسن الفروج عبد القادر وبن كمون وكمال بوطالب وغيرهم وقد تحدثت إلي بذلك السيدة جاكلين برودسكي في لقاء معها متلفز في برنامج «ألوان» بمنزلها الذي حولت جناحا منه لتعليم مبادئ الرسم للصغار والكبار بالرباط، كما أنني أنجزت لقاءات ضمن برامج عديدة مع عصاميين مثل الفقيه الركراكي ومحمد الرايس الفني بطنجة وعبد المالك العلوي بفاس ومن الفطريين محمد بن علال والشعبية طلال...إلخ.

                عاد اهتمام التلفزة المغربية بالتشكيل من خلال برنامج المجلة الفنية بداية الثمانينيات وبرنامج من إعداد العربي بن تركة وإن كانت الحصة المخصصة لفن الفضاء طويلة ولكن كان بن تركة يحاول جاهدا إبلاغ أهمية الرسم إلى المتلقى معتمدا في ذلك على الحوارات وعلى التحرك نحو معامل الرسامين وأروقة العروض وكان بالفعل برنامجا فنيا وثقافيا بامتياز، إلا أن المشاهدين آخذوا عليه كثرة حديثه دون إعطاء الفرصة إلى الرسام للتعبير عن مضامين أعماله وكلما حاول الرسام التوسع في الشرح وتبرير بعض سلوكاته الفنية إلا وقاطعه المعد ليدخل بالمشاهد في حديث طويل وممل. استمر البرنامج لمدة سنتين إلا أن بثه كان متقطعا ولا يلتزم ببرمجة مضبوطة، غابت (المجلة الفنية) فجأة لتعود بعنوان مغاير  «فضاءات»، لم يدم هذا البرنامج طويلا وغاب التشكيل عن الشاشة، بينما استمرت الصحافة المكتوبة في العمل على مواكبة التظاهرات والندوات والمعارض والصالونات، حيث عرفتنا بمجموعة من الفنانين من الجيل الثاني: عبد الله الحريري، عبد الرحمن رحول، عبد الحي الملاح، مصطفى حفيظ، عبد الكريم الغطاس، عبد الرحمن الملياني، بغداد بنعاس، فؤاد بلامين، محمد القاسمي، ميلود لبيض، بوشعيب هبولي، السنوسي(أخ الفنان الساخر السنونسي)، إلا أن العنصر النسوي في هذا المجال كان تقريبا غائبا إذا استثنينا: مريم أمزيان، فاطمة حسن، الشعيبية طلال، مليكة أكزناي.

                بدأت الفنون التشكيلية تنتشر على شكل واسع وبدأ المثقفون يهتمون بهذا الوافد الجديد القديم فنشطت المدرستان الوحيدتان في المغرب الدار البيضاء وتطوان وعرفتا تخرج أفواج جديدة تحضر الصحافة المكتوبة على الخصوص، وتخصص من حين لحين على صفحاتها لقاءات ودردشات مع التعريف ببعضهم كرسامين شباب ينضافون إلى من سبقهم في هذا المجال بل بدأت مجمل الصحف بإسناد عمل الكتابة إلى بعضهم كما هو الشأن للفنان التشكيلي محمد شبعة ومحمد القاسمي وخليل المرابط والناقدة الإيطالية طوني مارايني التي عززت بكتاباتها مكانة زوجها السابق محمد المليحي، وبفضل الصحافة المكتوبة التي كانت تحمل أفكار سياسوية كشفت لنا عن صنف معين من الرسامين الذين لم يلجوا معاهد ولكنهم برزوا واكتسبوا شهرة واسعة.

                نهاية الثمانينات طلت علينا»فاطمة التواتي» بنفس البرنامج إلا أن جانبا أكبر منه كان يخصص للكتاب والأغنية طبعا مع إدراج فقرة أو فقرتين تهم التشكيل. فبرنامج (كومبيوتر 7و(ترافلينغ) لفاطمة التواتي هما برنامجان صورة لطبق الأصل لما سبق وأنتجته التلفزة منذ بداية السبعينيات، إلا أن فاطمة التواتي كانت تعتمد كثيرا في عملها على الأستوديو بحيث أن البرنامج يمكن تصويره خارج الأستوديو وبالفعل كانت تقوم أحيانا بذلك. ولكن يبقى الأستوديو بالنسبة إليها ذا أهمية كبيرة.

                أول مرة يخصص التلفزيون حلقة كاملة حول الفنون التشكيلية بعنوان «التشكيل المغربي» من خلال إنتاج يجمع بين البرنامج والشريط الوثائقي، وهو العمل الذي قام بإنجازه المخرج عبد القادر لقطع عبر إعداد المادة بأسلوب التوثيق والتسجيل أحيانا بالتخييل Fiction، ولكن كان في الإجمال عملا متوسطا، نظرا لعدم إلمام المخرج باللغة العربية، كما ولج عبد القادر لقطع المجال باستضافة الرسام عبد الكبير ربيع لمدة تفوق 45 دقيقة وذلك سنة 1985، ثم تبعه برنامج آخر مع الشعيبية طلال، وكان آخر عمل في هذا المضمار مهرجان كرونوبل للفنون التشكيلية، حيث أنجز روبورتاجا كاملا عن التظاهرة الأولى من نوعها، حيث كُلِّف الرسامون المتبارون برسم جداريات كبيرة على جدران المدينة وبعض واجهات المؤسسات الثقافية وكان على رأسهم المرحوم محمد القاسمي، فريد بلكاهية، محمد شبعة، ومحمد الميلحي، وكريم بناني وذلك في عهد وزير الثقافة سابقا محمد بن عيسى.

                وإذ نلاحظ سواء في الأنشطة الفنية التشكيلية التي تقيمها وزارة الثقافة سابقا أو ما تتناوله الصحافة المكتوبة، اهتمامها بنفس الأسماء ونفس الأشخاص من بداية الستينيات إلى حدود التسعينيات، ورغم كل ذلك مازالت بعض الأروقة تتعامل مع نفس الرسامين، رغم بروز جيل له إنجازات هائلة على كل الأصعدة الإبداعية والعقلية.

                سنة 1985 بوصول أندري باكار المهندس الخاص للقصر الملكي أسندت إليه من جهة «عليا» مهمة إعادة هيكلة التلفزة المغربية، فأول ما قام به إحداث تغييرات جذرية، غيرت سمة الجهاز الذي كان متخلفا بدرجة كبيرة، لتنطلق عملية التلفزة تتحرك (ça bouge à la télé)،وإدخال تحسينات جمالية على البناية وما بداخلها بعد قيامه بنفس الشيء في البرلمان. أعقب هذا التغير إدخال جماليات على بعض الفنادق، والأهم في هذه العملية التجميلية إن شئنا القول على الكثير من المؤسسات العمومية، هو إدخال اللوحة التشكيلية إليها حيث قام بشراء العديد من اللوحات وقام بترويج للعمل التشكيلي المغربي، فعرف المجال رواجا مهما لم يعرفه من قبل وأصبحت الأعمال الفنية سبب شيوعها من لدن باكار أمرا حتميا، رفعت الأثمان وزاد الإقبال. لدعم فكرته في ترويج فن الفضاء بحكمه مهندسا داخليا قام بإنجاز عمل عظيم، ألا وهو المعلمة المغربيـة في فن المعمار والصناعة التقليدية في جزأين ضخمين، وصل ثمن العدد منها الآن إلـى ثلاثين ألف درهم إذا تم العثور عليه. أردف العمل الضخم بإصدار كتاب عبارة عن «كاطالـوغ» مـن صور لوحات العديد من الرسامين المغاربة بعنوان «تعابير من الرسم والنحت المغربيـين»، كـما نسج علاقات وطيدة في صمت مع الصحفيين والصحافة الناطقة بالفرنسية، وكانـت « Le Matin » اليومية المغربية تناول دائما مواضيع التشكيل بإسهاب طوال مدة وجوده بالمغرب.

                عرفت التلفزة المغربية عندما تولى إدارتها أندري باكار بشكل غير مباشر تقدما ملحوظا، غير ملامح خطها التحريري والبراجماتي، حيث استقدم صحفيين وفنيين من باريس للسهر على إنجاز مشروعه الإعلامي السمعي البصري. استدعاني المخرج الفرنسي «جاك أسلين» والذي مازال هو مخرج النشرة الإخبارية للثامنة مساء بالقناة الأولى الفرنسية لحد الآن، وألحقني بقسم الأخبار كمخرج لها وللكثير من البرامج الإعلامية والروبورتاجات. ومن أبرز ما جاء به عهد أندري باكار هو خلق فقرة ضمن الأخبار تخصص لضيف ما، حسب تخصصه. وهكذا دعوت أولا أحمد بن يسف والذي تحدث بالعربية مع ترجمة مكتوبة بالفرنسية تحت الصورة، وكانت أول وآخر مرة يتحدث فيها ضيف في نشرة بالفرنسية باللغة العربية، ثم جاء دور عبد اللطيف الزين وتلاهما الكثير، وكانت كل نشرات الأخبار بالفرنسية لا تخلو من مواضيع حول التشكيل وحركيته بالمغربية، ولقد زين باكار جدران قاعات وممرات مقر التلفزة بلوحات قيمة لست أدري مصيرها، فبمجرد ذهاب «باكار» اختفت اللوحات كما اختفى بعضها من قبة البرلمان.

                سنة 1987 عندما ألحقت وزارة الإعلام بوزارة الداخلية بما في ذلك الإذاعة والتلفزة اقترح علي الرسام التشكيلي عبد اللطيف الزين تقديم مشروع برنامج «ألوان»، وبالفعل تمت الموافقة على المشروع وأنجز منه خمسين حلقة. البرنامج في حد ذاته امتدادا لبرنامج تشكيل لعبد القادر لقطع، إلا أن البرنامج الذي هو من إعداد وإخراج محمد الغرملي، كانت مدته تستغرق خمسين دقيقة خصص لكل رسام على حدة. عرف هذا البرنامج عدة تعثرات من خلال برمجته، حيث أن المدير الذي جاء من وزارة الداخلية محمد اليساري كان لا يقيم وزنا للثقافة والفنون، وكانت البرامج والروبورتاجات التي تمجد عمل الحكومة آنذاك، تعطى لها الأسبقية ولو على حساب الإنتاج الفني. وكان البرنامج عبارة عن فيلم وثائقي بالفيديو، تتداخل فيه الاستجوابات واللقاءات والتعاليق ومداخلات المهتمين بالفضاء التشكيلي وانطباعاتهم عن عمل الرسام الضيف، مع تمويج موسيقي مناسب.

                وقد لقي البرنامج رقابة صارمة عليه من خلال منع ظهور وجوه غير مرغوبة فيها من طرف وزارة الداخلية، ومن أهمهم الدكتور المهدي المنجرة الذي رد على سؤال فيما يخص دور الأروقة، حيث كان سؤالا بريئا وطبيعيا لا يشوبه تأويل، فقط لأن الدكتور المنجرة كانت له حسابات خاصة مع وزير الداخلية والإعلام السابق ادريس البصري.  «ألوان» جاءت بدايته مشتركة مع الجمعية المغربية للفنون التشكيلية والتلفزة، لكن لما رأى مدير هذه الأخيرة في الحلقة الثالثة من البرنامج في غياب أي تعاون أو شراكة، أمرني بحذف اسم الجمعية من الشعار. وقد تناول البرنامج جميع المذاهب التشكيلية مع مختلف الرسامين المشهورين وغيرهم ومن بين الرسامين الذين استضافهم برنامج «ألوان»: عبد اللطيف الزين، حسين طلال، الشعيبية طلال، أحمد بن يسف، كريم بناني، عبد الحي الملاخ، حسين الميلودي، محمد بن علال، التهامي الناظر، المهدي القطبي، حسن العلوي المدغري، عبد المالك العلوي، محمد الرايس الفني، الفقيه الركراكي، محمد شبعة، وغيرهم.

بموازاة برنامج «ألوان» كانت الإذاعة بدورها تبث برنامجا تشكيليا لـ«محمد الرمال» الذي كان بدوره يقوم باستضافة فنانين ومواكبة أنشطتهم كل أسبوع. بحلول سنة 1991 السنة التي غادرت فيها التلفزيون من أجل إنشاء شركة إنتاج، غاب برنامج «ألوان» وغابت معه المحاولات وكل المحاولات باستثناء بعض البرامج المحتشمة، التي لم توف المجال حقه.

                هكذا نزل مستوى الإنتاج الفني والثقافي بالإذاعة والتلفزيون ولم يعد من المهتمين به، سواء من موظفيه أو متعاونيه، باستثناء بعض الشركات التي حاولت مرارا خوض مجال التشكيل لكن بآليات لا تفيد في إبراز وبلورة العمل الإعلامي السمعي البصري نظرا لانعدام توفرها على خبراء وكفاءات وقدرات ترفع من مستوى التشكيل على صفيحة الإنتاج السمعي البصري إذا استثنينا البرنامج اليتيم «نماذج» الذي يقدم من بين فقراته ورقة عن التشكيل بالمغرب.


Open source productions