- Details
- Hits: 151
نجده حاضرا في هذه الكينونة، يخاطبنا باستمرار بلغة خصوصيته الحضارية. وهو بهذا يسجل في ذاكرتنا شفرة تعريفية خاصة تسعفنا على التمييز الفوري بين هذه المدينة أو تلك. في مجال العمارة مثلا، يمكن لمعلمة تراثية ذات خصوصية تشكيلية معينة أن تشكل رمزا مرجعيا كلما استحضرناه تستحضر ذاكرتنا على الفور هوية المدينة المعنية. وعملية الاستحضار المعكوسة هنا صحيحة. فذكر صومعة حسان مثلا يجعل ذاكرتك تستحضر آليا مدينة الرباط المغربية إذا سبق لك وتعرفت على هذه المدينة. ولن يخلو حديثك مثلا عن مدينة باريس الفرنسية دون أن ينتصب برج إيفل في مخيلتك أيقونة رمزية لهذه المدينة. وما أكثر الأمثلة المماثلة التي تشهد لهذه المكانة الساحرة والسرمدية التي يحتلها الإبداع التشكيلي في هوية كل مدينة مدينة.
في سياق هذه الإضاءة الدالة، ننقل حديثنا إلى مدينة أكادير، المدينة التي نسكنها وتسكننا، ونتساءل بدافع الحب والغيرة وشيء من القلق الجمالي:
ماذا عن حضور أو غياب الإبداع التشكيلي في جسد وروح المدينة، أو بصيغة أخرى أكثر اقترابا من جوهر الموضوع، هل للمدينة بصماتها التشكيلية، رمزيتها (البلاستيكية) الخاصة التي تستطيع إثارة مخيلة الزائر وتوشم في ذاكرته كعلامة فنية مرجعية لا تنسى. هذا سؤال يحيل بالتأكيد على البحث في سيرورة تشكل الشخصية الجمالية للمدينة عبر التاريخ.
من زاوية أخرى وتمفصلا مع الاستفهامات السابقة أو امتدادا لها، يمكن الالتفات إلى حاضر هذا الإبداع والنظر فيما إذا كان يعيش كسائر الكائنات حياة عادية، أو ربما قد تقتضي الضرورة الموضوعية التساؤل أولا عن وجود أو لا وجود هذا الكائن قبل التساؤل عن حياته. والتساؤل عن وجود أو لا وجود الإبداع التشكيلي ككائن حي بأكادير يعني بكل بساطة التساؤل عما إذا كان ما نشاهده حاليا من معارض ونشاطات متفرقة وغير ذات تمفصلات أو ترابطات حيوية يشكل بالفعل نسقا تشكيليا سليم البنية والروح، منتجا ومنخرطا في واقع دينامية الحياة العامة للناس، أي يشكل جزءا عضويا لا غنى عنه في هذه الحياة.
تعاملنا مع هذه التساؤلات سوف لن يسلك منحى الإجابة المفصلة، لأن ذلك سيذهب بنا بعيدا في البحث والتحليل، وإنما سنكتفي في هذه المساحة المضيقة بإثارة أهم الأفكار التي من شأنها اختزال المسافات وتكثيف زوايا النظر لالتقاط الأنجع والأفيد في الموضوع.
في شأن الحديث عن الرمزية الجمالية التشكيلية في بعدها العمراني لمدينة أكادير، لا ينبغي في تقديري عدم الانتباه إلى أن البنية العمرانية الحالية لهذه المدينة هي في أغلبيتها بنية حديثة العهد وأن أغلب الملامح العمرانية القديمة. والتي لو بقيت لشكلت بلا ريب الوجه التراثي العريق لها، إن أغلب هذه الملامح قد محاها عنف الزلزال المهول الذي ضرب أكادير سنة0691. لم تفلت من ضربة هذه الكارثة الطبيعية إلا بعض الوحدات القليلة، أهمها من حيث الرمزية العمرانية التشكيلية بناية سينما السلام التي ما زالت صامدة إلى الآن رغم أنها لم تستطع الصمود في وجه آفة الإغلاق التي مست إجحافا عددا لا يستهان به من القاعات السينمائية بالمغرب. نتمنى أن لا تصاب سينما السلام بزلزال الجشع الرأسمالي فيحولها في غفلة من المسؤولين والمناضلين إلى عمارات شاهقة تطل طوابقها المتعجرفة على أفنية بيوت حي الباطوار المتواضعة. نريد لسينما سلام أن تظل بيننا شامخة في حضيرة الفن وأن تنتظر ما سيأتي به المستقبل من فضاءات أخرى لاحتضان الإبداع والمبدعين. هناك وحدات عمرانية أخرى لم يلحقها الزلزال المشؤوم بقوته التدميرية، مثل عمارة «سبع طوابق «(sept étages) إلا أن بعدها الجمالي التشكيلي الرمزي قد لا يرقى إلى ما تتميز به بناية سينما السلام.
بخصوص جماليتها الحديثة، خصوصا فيما يتصل بالجمالية التشكيلية العمرانية، لا تقدم لنا مدينة أكادير ما يقنع على المستويين الكمي والكيفي، وكأن تجربة التعمير بعد زلزال 0691 كانت تخلو من أي حس جمالي، أو بصورة أوضح، ربما كان القائمون على إعادة تعمير أكادير منشغلين فقط بالبعد الإسكاني وما يرتبط به من ممارسات مشروعة أو لا مشروعة، وليس بالبعد الحضاري في بناء مدينة جديدة تتوفر على كل شروط المدنية وكل مستلزمات الساكنة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفنية. لهذا السبب بالذات ربما، تغيب إلى حد ما عناصر الجمال في عملية تعمير المدينة، وخير مؤشر على ذلك قلة أو نذرة التحف العمرانية في أكادير. وأهم الوحدات التي تستحق في تقديري لقب تحف عمرانية ثلاث لا أقل ولا أكثر: أولا: بناية حديقة أولهاو نظرا لأسلوب بنائها المتميز جماليا. ثانيا: برج مؤسسة الوقاية المدنية (المعروفة شعبيا بمؤسسة :رجال المطافئ)، ثالثا :الكتابة المحفورة في الجدار المقابل لقصر بلدية أكادير بشارع مولاي عبد الله وهي جملة وردت في خطاب محمد الخامس بمناسبة زلزال أكادير. وتقول العبارة :
«لئن حكمت الأقدار بخراب أكادير فإن بناءها موكول إلى إرادتنا وإيماننا».
وهي كتابة بالخط الكوفي إلا أن تقنية تشكيلها في الجدار غاية في الروعة والجمال والتعقيد أيضا، الشيء الذي يصيب من رآها لأول مرة بنوع من الإعجاب ويضطره إلى بذل مجهود خاص والتركيز من أجل استكشاف حروفها وتركيب كلماتها وبالتالي قراءتها كجملة ذات معنى ولها علاقة بذاكرة المدينة.
أكادير، المدينة و الإبداع التشكيلي ما العلاقة؟ يعتبر الإبداع التشكيلي بلا شك عملا فنيا جماليا حضاريا.
والمدينة هي عنوان المدنية، أي مستوى راقي لحياة الناس داخل فضاء ذي خصوصيات حضارية رفيعة .
وبهذا يكون الإبداع التشكيلي عاملا من عوامل تركيب مدنية المدينة وحضارتها. هذا العامل بالطبع لا يتصدر الأسبقية في نسيج هذه المدينة ولكن حضوره يبدو مهما تفاعلا مع عوامل أخرى أكثر أولوية وحسما في الحياة، كالعلم والاقتصاد والسياسة والحكامة والخدمات الإنسانية وغيرها.
ماذا يجري إذن في مدينة أكادير بهذا الخصوص؟. تحدثنا في السطور السابقة عن وجود معارض ونشاطات تشكيلية وصفناها بالمتفرقة وغير المترابطة، وقد نضيف بأنها تتعمد في أغلبيتها الابتعاد عن أهم بعد يحييها ويجددها وهو البعد الثقافي، خصوصا فيما يتعلق بالمعارض التشكيلية. أغلب هذه المعارض تكتفي بصب الاهتمام كاملا على حصة الافتتاح، فتتحول هذه اللحظة إلى أجواء تكون فيها لذائد الأكل والشرب سيدة الاهتمام (كل بالطبع حسب قدرته والعلاقات التي تحركه وربما أيضا حسب درجات اجتهاده في إتقان لعبة التزلف). وقد تحضر أيضا أشياء أخرى تظل خفية للعين العادية إلا أن العين الذكية يمكن لها التقاط بعض مؤشراتها. في هذه الأجواء بالطبع تحضر سطوة المال واستبداديته ويغيب الفن وتغيب معه كل قيم الإنسانية والكرامة وحتى قيم العلم والثقافة والفكر والحرية والأخلاق. ليس غريبا في هذا المناخ أن زائرا أميا ولكنه ثري أن يحول بقوة ثروته تلك، الفنان العارض من مبدع مثقف إلى عبد حقير كثير التملق والانحناء. من دون شك، هذا السلوك الغريب لا يسري على كل الفنانين التشكيليين. هناك بالفعل فنانون شرفاء لا يبيعون كرامتهم، وهم قلة بالتأكيد. إلا أن الأغلبية الساحقة للتشكيليين يسقطون للأسف الشديد، عن وعي أو غير وعي في شراك الإغراء المزيف للمال. أنا أيضا أقول مع القائلين إن الفنان مبدع ومنتج للقيم الفنية ومن حقه بالتالي أن يحصل على المال مقابل إبداعاته وأن يعيش بذلك معززا مكرما. ولكن المشكل ليس في هذه المعادلة، إنما في كيف يحصل على المال وهل ذلك المال هو بالفعل مقابل لما ينتج فنيا أم مقابل لأشياء أخرى لا علاقة لها بالفن. لقد سمعني الكثير من التشكيليين أقول في عدد من اللقاءات: إن الفنان التشكيلي ليس بقالا (مول البيسري) ولكنه مبدع، من المفترض أن يظل محتفظا على شرف هذا اللقب الحضاري الراقي. ورغم كل ما يمكن أن يقال عن علاقة الفنان بالمال، فإن أغلبية الفنانين التشكيليين المغاربة المحترفين في هذا الميدان لا يستطيعون العيش الكريم من الفن نظرا لما يعرفه سوق التشكيل والعلاقات التي تحكمه من اختلالات مستديمة لا ترحم.
في باب المعارض، يمكن لزائر مدينة أكادير أن يطلع كذلك على معرض جماعي يومي للأعمال التشكيلية يقوم على تنظيمه عدد لا يستهان به من المحترفين الذين جمعتهم الجهات المسؤولة مؤخرا في زقاق ضيق ومغمور بحي الفنادق قرب شارع محمد الخامس ومسرح الهواء الطلق. أمر جمع الأعمال التشكيلية المعروضة للبيع في مكان واحد بالمدينة أمر محمود بلا شك إلا أن المكان الذي يجب تخصيصه لهذا الشأن من المفترض أن يكون مستجيبا لبعض خصوصيات ومستلزمات الفن وأن يكون كذلك مشرفا ومؤهلا للرفع من قيمه الإبداع والمبدعين لا إسقاط الميدان في الدونية والتهميش وربما في أشياء أخرى لا تليق .
تحدثنا أيضا في سياق تساؤلاتنا عن الأنشطة التشكيلية وهي تهم التظاهرات الثقافية الفنية التي تجعل من الفنون التشكيلية محورا أساسيا لأشغالها. هذه التظاهرات في حقيقة الأمر قليلة جدا بمدينة أكادير، ولهذا السبب سنكتفي بالالتفات إلى أهم لقاء في هذا الباب :
يتعلق الأمر بربيع سوس التشكيلي الذي تصر جمعية أكادير للفنون التشكيلية على تنظيمه سنويا منذ 1994 رغم بعض التعثرات والعوائق يجب في رأيي الإعتراف أن هذه التظاهرة تحاول قدر الإمكان أن ترسخ بأجواء المدينة حدثا فنيا ثقافيا تربويا مرة كل سنة ولمدة تفوق الأسبوع أحيانا في برنامج هذا الربيع تحاول الجمعية التأسيس لسلوك تشكيلي جماعي متكامل تشغل فيه مجموعة من المحاور :
المحور الأول يتعلق بالمعارض ويهم إقامة معارض خاصة بفئة التشكيليين المحترفين وأخرى مخصصة للشباب وكذلك معارض تهم فئة الأطفال.
المحور الثاني يهم الجانب الثقافي وتقام في إطاره ندوات ومحاضرات ينشطها أساتذة مختصون حسب التيمات المقترحة.
المحور الثالث وهو المتعلق بالنشاط التربوي ويركز أشغاله على تنظيم وتأطير محترفات تشكيلية تستهدف تعليم وتحفيز الأطفال وتحسيسهم بخصوصيات التقنيات التشكيلية وجماليات الإبداع التشكيلي.
المحور الرابع وهو محور تزيين المدينة وغالبا ما يتجه إلى رسم جداريات بمساهمة أغلبية الفنانين المشاركين في الربيع على أحد جدران المدينة.
المحور الخامس يهم البعد الترفيهي وتنظم فيه بعض الزيارات لفائدة الوفود والضيوف وكذلك بعض اللقاءات الموسيقية.
المحور السادس ويتعلق بتكريم بعض الشخصيات والرموز الوازنة في حقل الفنون التشكيلية.
المحور السابع وهو محور المسابقات و تهم أكثر فأكثر فئتي الأطفال والشباب ولكن أيضا فئة الكبار.
يبدو في تقديري أن هذا الربيع تظاهرة ذات حجم وقيمة كبيرين. خصوصا وأنه يعنى بميدان فني من الأهمية بمكان ما أحوج المدينة إليه. فماذا يجري إذن حتى لا يحصل على ما يكفي من السند والدعم ليشق طريقه نحو التألق والتطور.
يظهر من خلال كل ما عالجناه في الموضوع أن هناك خللا ما في العلاقة بين المدينة والإبداع التشكيلي بأكادير. هل لأن المدينة ما زالت لم ترق بعد إلى تشكيل عقلها الحضاري الخلاق الذي يسعفها بدون معوقات على استيعاب أهم فواعلها الحضارية ومنها الإبداع التشكيلي؟، أم أن الإبداع التشكيلي نفسه مازال يعيش التشرذم والتفتت الشيء الذي يعيق وجوده ككائن حي، أي كما قلنا سابقا كنسق تشكيلي سليم البنية والروح، منتج ومنخرط عضويا في حياة الناس.
يبدو أن كلا الطرحين يقتربان نسبيا من الموضوعية، لكنهما يحتاجان إلى المزيد من البحث والتحليل والنقاش.


