مع عرض تجاربهم، ومناقشة آرائهم، وربط  جسور التواصل  بينهم  وبين  كل  مكونات  الفعل  التشكيلي المغربي، بأقطابه  ورواده، بنقاده  والمشتغلين  فيه وعليه، وبجمهوره  الواسع  من مختلف الشرائح . كل هذا  يجعل من  حاضرة  إقليم  سوس  محجا وملاذا  يؤم  جمهورا عريضا  من  المتعطشين  لألوان  الطيف وألوان  قوس  قزح، ويجعل من ملتقى  ربيع سوس  التشكيلي فضاء  مفعما بحرارة  اللقاء، متوهجا  بانسجام  الألوان، وكأنه  عرس  منفتح  على   التعايش  والتضامن  والمحبة، من  هنا  تكون  مدينة  أكادير  بؤِرة  للإبداع، مرتعا  للخلق،  قبلة  للإنتاج، فضاء رحبا  للفنانين، وللزوار والسياح  وذوي  الاختصاص  من  التشكيليين  والنحاتين  والمصممين  في المجال الفني والجمالي .

           

            وإذا  كان  المسار  التنظيمي  لمهرجان  ربيع  سوس  التشكيلي  قد  تجاوز  مرحلة  التأسيس  الأولى، ليدشن  لنفسه  قوة  ومناعة  إضافية، واستطاع   أن  يبني  من  كل هذا إطارا  تنظيميا  محكما  وثابتا، قادرا على  تحمل  المسؤولية، والرفع  من  وثيرة  التألق والضبط  والتسيير،  فإن  مكونات  المجتمع  السوسي  وأقطابه  من  مجلس  المدينة  ومقاطعاته،  والقطاع  العمومي  والقطاع  الخاص، عليه  أن  يلعب  الدور  نفسه، ليصبح الفن رهانا استراتيجيا في التنمية السياحية، ومجالا  قويا  للتعريف  بالمدينة  و فضاءاتها: مثلما هو حاصل  الآن في مدن  سياحية كبيرة  مثل  مدينة كان الفرنسية من خلال  مهرجانها  السينمائي أو قرطاج التونسية من خلال  مهرجانها المسرحي أو جرش الأردنية من خلال مهرجانها الفني والغنائي أو أصيلا المغربية من خلال مهرجانها  الثقافي  والتشكيلي، واللائحة تطول بخصوص المدن  العالمية  السياحية  التي  راهنت  على  الثقافة  والفنون  وأصبحت قبلة  للزوار والسياح، فلم  لا تكون  مدينة  أكادير  كذلك؟  سيما  وأن كل  الظروف  مواتية  وملائمة لتحقيق  هذا المشروع  مع  جمعية  فنية  تشكيلية  تحمل في جعبتها الكثير  من مؤهلات  التنظيم  والتأطير والممارسة، خصوصا  وأن  رصيدها  من  الملتقيات  والمهرجانات   وصل  إلى  اثني عشرة دورة، كل واحدة منها  تحمل نفسا جديدا، وعمقا جديدا، وتصورا جديدا، وبعدا جديدا.

           

            لقد  راهنت  جمعية  أكادير للفنون التشكيلية  من  خلال مشروع  رؤيتها  للفعل  الجمعوي على أن الفن هو: «فورة  إبداعية  تخلخل  روح  الإنسان وخياله، وتعيد  تشكيلهما  فيما هو أرقى  وأخصب ‘‘. لذلك نجدها في كل محطة تركز على الفعل التربوي، وتستهدف فئات الأطفال والشباب وكذا الانفتاح على المؤسسات التعليمية، من أجل أن تزرع بدرة هذا الفن في قلبهما وكيانهما، ليكون فعل التشكيل امتدادا  طبيعيا  لبناء  أجيال المستقبل  بشكل  منسجم  والثقافة  البصرية التي تفتقر إليها المؤسسة التعليمية في المغرب .

انطلاقا من هذه الرؤية الجمالية  الهادفة،  تسعى الجمعية  إلى  بناء صروح  للحس الجمالي، وأوعية لتهذيب  الذوق الفني، وأذرع للإحساس بالمتعة والجمال، وهي  أهداف  تكتسب  من  داخل  الملتقى، عن طريق المشاركة  الحية  والمباشرة بين الجمهور والعارضين المشاركين.

             

            وإذا  كان الهدف  التربوي  حاضرا  بقوة، ومستهدفا  بثبات،  في  جل  دورات  ربيع  سوس  التشكيلي،  من  خلال  إعداد   فقرات،  وتهييئ  برامج،  وتسطير مشاريع،  وبرمجة  مشاركات  تربوية  تشكيلية  مكثفة   و هادفة خاصة بالأطفال والشباب عن  طريق  مسابقات  ومشاركات  وأوراش  مفتوحة   للاحتكاك  والمنافسة  وإثبات  الذات، فإن  أهدافا  أخرى  سطرتها  الجمعية  وعملت على تنفيذها  وتحقيقها،  وتتمثل  في المزاوجة  بين ما هو ثقافي  وفني، وبين  ما  هو  معرفي  وإشعاعي، وبين ما هو تواصلي وتفاعلي،  تستقطب من خلاله تجارب مختلفة،  وتبرمج  ندوات  ومحاضرات ولقاءات  ، تناقش  جملة  من  القضايا  المرتبطة  بالتشكيل، هذا بالإضافة  إلى  عرض أهم  الانجازات  الفنية المتنوعة المرتبطة  بالتشكيل، كالنحت  والغرافيك والمجسمات  و الديزاين .

           

            غير أن الأهم  في  ر بيع  سوس التشكيلي، والذي   تبلور في الدورات الأخيرة  بشكل  كبير و ناضج  هو المشروع   التضامني   المتمثل   في   « قلب فنان «  الذي  تسعى  الجمعية  من  خلاله  إلى  ترسيخ  قيم  تضامنية   نبيلة ،   تستهدف  انخراط  الفنانين  التشكيليين المغاربة  و الأجانب،  لدعم  مشروعهم    الإنساني  الكبير،  و يمتح  من  البعد  الإنساني  مجالا  للمساندة  و المؤازرة  والإخاء. ولتحقيق  ذلك  اقترحت  اللجنة  المنظمة  مساهمة  كل  فنان  بلوحة  من  أعماله  للتبرع  بها، خدمة  لقضايا خيرية  وإنسانية  محضة،  يستفيد  منها  ذوو الحاجات  الخاصة، كالأيتام  و المعوزين  والأطفال  الذين  في وضعية  صعبة، أو بعض  المؤسسات  الاجتماعية  التعاونية، وتتم العملية هاته عن طريق إعداد  وتنظيم  معارض  للوحات  المتبرع  بها،  بحيث تباع  وفق  شروط  قانونية، بحضور  خبراء متخصصين، ليحول  بعد  ذلك  ريع  مداخيلها  مباشرة  إلى  الأطراف  أو  الجهات  المعنية  .

           

            إن  هذه  التجربة  الفريدة  من  نوعها،  ستترك  آثارا  ايجابية،  ليس  فقط   للجمعية  فحسب، أو لملتقى  سوس، بل  للفنان  التشكيلي  نفسه،  وهذا هو  الشعار الذي  أخذته  الجمعية  على  عاتقها  منذ  تأسيسها  إلى  الآن، إذ  يصبح  الفن  في  خدمة  المجتمع  وقضاياه  الإنسانية، وهو  رهان  أصبح الجميع  مقتنع  به  اليوم، يعمل  الجميع  للانخراط  فيه،  وما  على  مدينة  اكادير  بكل  مكوناتها  الا الانخراط  فيه،  حتى  تصبح  أول  مدينة  تبني  مشروعها  الخيري  من ‘‘ قلب الفنان ‘‘الذي  يتدفق حبا  ونبلا وينبض كرامة  وشهامة.

           

            وبالعودة  إلى  جمعية  أكادير  للفنون  التشكيلية،  فان  تجربتها  في  تنظيم  ملتقياتها  التشكيلية  أصبحت،  مع  مر السنين،  تتنامى  بقوة،  وتختمر  بنضج، و تسير بخطى  ثابتة،  و ترتقي  إلى  أعلى  المدارج،  خصوصا  بعد  تكييف  هذه  التظاهرات  الفنية  مع  محيط  المدينة، وربط  الفن التشكيلي  بالمجال  السوسيوثقافي، مع   إشراك  كل  المكونات  المحلية  الفاعلة، وجل  القطاعات المنتجة  والمتفاعلة  مع   فن  التشكيل،  كقطاعات:  التعليم  والسياحة  والثقافة  والشباب  والمجالس  المنتخبة  والإعلام،  هذا  بالإضافة  إلى  ولاية  جهة سوس ماسة درعة،  و على  الرغم  من  كل  هذا، فإن الجمعية  ما زالت  تعاني   نقصا  مهولا   في  الميزانية المالية المخصصة لتغطية  المصاريف  الخاصة  بتنظيم  هذا المهرجان، مما يجعل  أعضاءها  في كل  دورة  يعيشون  محنة  مالية وعجزا تمويليا،  يؤثر سلبا على مسار هذا الملتقى.

           

            لقدأصبحت مدينة أكادير، في ظل هذا الحدث، تتبوأ مكانة مرموقة داخل النسيج الثقافي والفني الوطني، ذلك  أنها  مجمع  للحوار،  وملتقى للإبداع، وفضاء للخلق، ومكان  للتفاعل الفكري، كل هذا  أعطاها  بعدا  استراتيجيا، وحجما  حقيقيا  بفضل  هذه الملتقيات.

           

            من هنا نرى أن الفن أصبح عاملا مهما من عوامل التنمية السياحية، ورافدا من روافد النهضة الثقافية. لذلك، على كل الجهات  المسؤولة على مرافق المدينة، أن تتحمل مسؤوليتها كاملة في الحفاظ على هذا المكسب وتعطيه حقه في الدعم والتمويل والتنظيم.

           

            إن  المشكل  الذي  تعاني  منه  أكادير  هو غياب البنيات التحتية،  فلا  يعقل  أن تكون  مدينة  بحجم  أكادير بكثافة أنشطتها الثقافية والفنية على كثير من المستويات، سواء  المسرح أو الشعر  أو الحكاية  أو التشكيل، ورغم ذلك تفتقر إلى  فضاءات صالحة للعرض، فالرهان موكول  للمؤسسات المسؤولة بمعية جمعيات المجتمع المدني الفاعلة والنشيطة، التي من المفروض أن تعمل على مشاريع وازنة وأن تفتح جسور التواصل فيما بينها وبين كل الفاعلين، وهذا ما تحاول جمعية أكادير للفنون التشكيلية فعله لتحقيق حلمها  الكبير في جعل الفنون التشكيلية في خدمة الناس وطموحاتهم.

Open source productions